مختبرات "بي-4" في ووهان الصينية ( هيكتور ريتامال/أف ب / HECTOR RETAMAL)

ما نعرفه حتى الساعة حول منشأ كوفيد-19 وكيفية انتقاله إلى الإنسان

جميع حقوق النشر محفوظة. وكالة فرانس برس 2017-2021

مع بداية تفشي وباء كوفيد-19، ظهرت نظريات عديدة حول أصله وكيفيّة انتقاله. وانكبّ الخبراء على الأبحاث وشرع السياسيون يقدّمون الآراء المختلفة. ولم يخلص تقرير منظّمة الصّحة العالميّة الصادر في آواخر آذار/مارس 2021 إلى جواب حاسم عن هذا السؤال الذي ما انفكّ يغذّي نظريات المؤامرة ويحثّ مروّجي الأخبار الكاذبة على تضليل الرأي العام.

ومن بين الادعاءات المتداولة على نطاق واسع على مواقع التواصل أن الفيروس صُنع في مختبرات في ووهان الصينيّة من ثمّ عُدّل وراثياً في معامل ومختبرات ليبدو وكأن المضيف الطبيعي للفيروس هو الحيوان وليس المختبر.. فما صحّة هذا الادّعاء وما الذي نعرفه حتى الساعة؟

الحيوانات

بُعيد ظهور الوباء، سارع العلماء إلى الحديث عن الخفاش كمصدر للفيروس الذي أطلقوا عليه اسم "سارس كوف-2"، لكنهم قدّروا أنّه مرّ عبر نوع حيوانيّ آخر قبل أن يصل إلى البشر.

ودارت الشبهات حول آكل النمل، وهو من الحيوانات البرية التي تُباع على قيد الحياة في سوق ووهان، وارتبطت بها معظم الحالات الأولى المعروفة لكوفيد-19. ولكن لا دليل قاطعاً على هذه النظريات حتى اليوم.

صورة لحيوان آكل النمل ملتقطة في 14 أيلول/سبتمبر 2020 في فيتنام ( AFP / Manan VATSYAYANA)

على ضوء كلّ ذلك، كُلف فريق مشترك من خبراء منظمة الصحة العالمية وعلماء صينيين بتقصّي الأمر في كانون الثاني/يناير 2021 لتوضيح مسألة منشأ الفيروس. لكنه لم ينجح في تحديد هذه الحلقة المفقودة. وأشار العلماء إلى حيوانات أخرى مثل المِنك أو النمس الغرير.

نظرية الفيروس المركب في المختبر

منذ البداية، ظهرت فرضيات تقول إن الفيروس لم ينتقل إلى البشر بشكل طبيعي، وإنما رُكّب في مختبر في ووهان، أو تسرّب منه، وهو ما تنفيه بكين تمامًا.
وانتشرت فكرة تسرّب الفيروس من المختبر على نطاق واسع على الشبكات الاجتماعية، وكرّرها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.
وأدى ذلك إلى ظهور فرضيات ذهبت إلى القول بأن الفيروس صُنع في المختبر وسُرّب على نحو متعمّد.
وادعت منشورات يصعب حصرها على الإنترنت أن لديها "أدلة" على أن الفيروس صُنع وحَصل على براءة اختراع، في حين أن براءات الاختراع هذه تتعلق في الحقيقة بأبحاث حول فيروسات أخرى من عائلة كورونا سبق أن ظهرت في السنوات والعقود الماضية.

وانتشرت أيضًا فكرة وجود فيروس يحتوي على أجزاء من الرمز الجيني لأمراض أخرى، وهي فرضية رفضها عدد كبير من العلماء الذين أوضحوا أن التلاعب الجيني لو حصل فعلاً لأمكن اكتشافه في جينوم سارس-كوف-2.

يؤكد البروفيسور أوليفييه شوارتز من معهد باستور الفرنسي أن "لا أساس على الإطلاق لنظريات المؤامرة التي تقول إن في جينوم فيروس كورونا عناصر من فيروسات أخرى مثل فيروس نقص المناعة البشرية، وأن هذا دليل على التلاعب".

ويقول العلماء والسلطات إنه لا يوجد دليل حتى الآن على التلاعب بالفيروس أو بأنه فيروس مُركَّب.

التسرب من المختبر

يجري منذ عدة أسابيع تداول فرضية تقول إن منشأ الوباء فيروس طبيعي وقد أخذ من خفاش ثم تسرّب من المختبر. وعلى الرغم من صعوبة التحقق من مثل هذه الفرضية ومن عدم وجود أدلة جديدة تدعمها، تتزايد الدعوات لإجراء مزيد من التحقيقات.

وخلص التحقيق الذي أجرته منظمة الصحة العالمية وعلماء صينيون إلى أن هذه الفرضية "مستبعدة جدّاً"، لكن رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس دعا مع ذلك إلى إجراء تحقيق جديد وتحدث عن الصعوبات التي يواجهها الخبراء الدوليون للتحقيق على أرض الواقع.

وحذا العديد من الدول الغربية حذوه، ففي منتصف أيار/مايو، دعا نحو 15 خبيرًا في مقال نُشر في مجلة ساينس العلمية إلى التحقيق في فرضيّة التسرّب من "المختبر".

وقالوا إن فرضيتي المنشأ الحيواني أو العرضي في المختبر "كلاهما ممكنتان (لكنهما) لم تولَيَا الاعتبار الذي تستحقانه".

يقول عالم المناعة الأميركي ومستشار البيت الأبيض أنتوني فاوتشي إنه "يتعيّن مواصلة التقصّي"، لأنه حتى وإن كان "كثيرون يرجحون أن ما حدث طبيعي (...) فالإجابة تبقى غير وافية بنسبة 100%".
وحتى الآن، لا يوجد دليل يدعم فرضية التسرب من المختبر ولكن كما قال في نهاية عام 2020 عالم الفيروسات إيتيان ديكرولي من المعهد الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية "طالما لم نعثر على المضيف الوسيط، لا يمكن استبعاد هذه الفرضية".

ويقول أوليفيه شوارتز "لا يوجد عنصر مادي جديد يرجّح كفّة الميزان في اتجاه أو في آخر"، لكنه يذكّر بأن فرضيّة الانتقال "الطبيعي" هي "الأكثر منطقية" مقارنة بفرضيّة أن يكون الفيروس مصنّعاً.

رسم بياني عن أبرز الأسئيلة التي تطرح حول منشأ كوفيد-19 ( AFP / John SAEKI, Omar KAMAL)

صراع سياسيّ؟

يزداد هذا الموضوع تعقيدًا في ظلّ التوتّرات العالميّة، ولا سيما بين بكين وواشنطن اللتين تتبادلان الاتهامات في هذه الأزمة.

فعلى خلفية التوترات الدبلوماسية الحادّة مع الصين قال دونالد ترامب في ربيع عام 2020 إن الفيروس تسرّب من مختبر في ووهان.
ورفضت الصين هذه الاتهامات ولوّحت هي الأخرى بأن يكون الفيروس نشأ في مختبر أميركيّ.

ترامب في لقاء حاكم نيوجيرسي في المكتب البيضاوي بتاريخ 30 نيسان/أبريل 2021 ( أ ف ب / مانديل نغان)

في كانون الثاني/يناير 2021، قبل رحيل ترامب، أعلنت الاستخبارات الأميركية أن باحثين من مختبر ووهان ظهرت عليهم قبل كانون الأول/ديسمبر 2019 "أعراض تتطابق" مع تلك الناتجة عن الإصابة بكوفيد، ولكن رافقتها أعراض "عدوى موسمية" عادية.

وفي منتصف نيسان/أبريل، لم يستبعد مسؤولون في الاستخبارات الأميركية فرضيّة تسرّب الفيروس من المختبر من دون عرض أدلة وعناصر جديدة.

وقالت مديرة الاستخبارات أفريل هاينز "لا نعرف بالضبط أين ومتى وكيف انتقل الفيروس المسبب لكوفيد-19 في الأساس..."، مؤكّدة مواصلة البحث حول هذه المسألة.


وتحتاج هذه الأسئلة إلى وقت طويل قبل الإجابة عنها بدقّة، فلطالما شكّل ظهور فيروس جديد على الأرض لغزاً للعلماء، بالاستناد إلى منظمة الصحة العالميّة التي ضربت مثل إيبولا الذي لم ينجح أحد في حل لغزه.

كوفيد-19