(AFP / Karim Jaafar)

التضليل الإعلامي في صلب النزاع في الخليج

جميع حقوق النشر محفوظة. وكالة فرانس برس 2017-2021

تترافق أزمة الخليج المستمرة منذ ثلاث سنوات بين قطر من جهة والسعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر من جهة أخرى، مع انتشار الأنباء المضللة والأخبار الكاذبة من غير أن يجري ضبطُها أو التثبّت منها.

 في الشهر الماضي، انتشرت شائعات على مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن انتفاضة في قطر، مرفقة بسيل من مقاطع الفيديو والتغريدات التي تدّعي إظهار الاضطرابات هناك. لكن الواقع أن قطر لم تشهد أي انقلاب.

وفي هذا السياق، نشرت تغريدة على تويتر تتضمن مقطع فيديو صور بكاميرا تهتزّ، تظهر فيه نافذة مضاءة فيما تسمع طلقات نارية، فلقي انتشاراً سريعاً.

ووردت التغريدة في حساب لم يكن له متابعون في ذلك الحين، وشوهد الفيديو أكثر من 250 ألف مرّة منذ نشره في الرابع من أيار/مايو.

ويقول الخبراء إن حسابات آلية كثفت نشر التغريدات مع اقتراب الذكرى الثالثة للأزمة الدبلوماسية التي اندلعت في الخامس من حزيران/يونيو 2017، حين قامت السعودية والإمارات والبحرين ومصر بقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية وحركة النقل مع قطر لاتهامها بـ"دعم الإرهاب".

وكان الفيديو مقدمة لموجة من مقاطع الفيديو الزائفة والتغريدات المضللة، تدّعي إظهار أعمال عنف في قطر. وسرعان ما جرى التدقيق في صحة معظمها، كما نشر العديد من مستخدمي تويتر من قطر تغريدات سخروا فيها من الادعاءات بشأن انقلاب في بلدهم.غير أن مروجي الأنباء المضللة تناولوا فيديو صوّر فيه أحد مستخدمي تويتر صباح يوم هادئ في قطر معلّقاً بسخرية على أنباء الانقلاب الخاطئة، فأضافوا إليه أصوات طلقات نارية وأعادوا بثّه.

ومنذ ذلك الحين، أغلق العديد من الحسابات التي استخدمت لبث الأنباء المضللة، ويرى الباحث الأكاديمي مارك أوين جونز الذي يعيش في قطر أن تلك العملية شكلت "مرحلة جديدة" في حملة التضليل الإعلامي التي تستهدف قطر منذ 2017.

وكان شريط الفيديو هذا آخر الأخبار المضللة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بموازاة أزمة الخليج.

والأزمة بالأساس اندلعت بعد وقت قصير على تعرّض الموقع الإلكتروني لوكالة الأنباء الرسمية القطرية "لعملية اختراق  في أيار/مايو 2017 من جهة غير معروفة"، بحسب ما أفادت السلطات القطرية.

وفي ذلك الحين، نشرت تصريحات على موقع الوكالة الإلكتروني وحسابها على تويتر نُسبت لأمير قطر الشيخ تميم آل ثاني، تتناول مواضيع تتعلق بإيران وحزب الله وحركة حماس.

وبالرغم من نفي الدوحة أن يكون ذلك الكلام صادراً عن أمير البلاد وفتحها تحقيقاً بهذا الصدد، أعادت وسائل إعلام خليجية نشره.

وقبل أيام من ظهور التصريحات، بدأ وسما "#قطع_العلاقات_ مع_قطر" و"#قطر_أم_الارهاب" ينتشران على تويتر.

 وورد الوسم الأول أكثر من 15 ألف مرة يوم 20 أيار/مايو وحده، بحسب جونز الذي يرصد الأخبار الكاذبة المتعلّقة بقطر منذ حزيران/يونيو 2017.

وفي الشهر التالي، قامت السعودية والإمارات والبحرين ومصر بقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية وحركة النقل مع قطر لاتهامها بدعم جماعة الإخوان المسلمين وإسلاميين متطرفين، وبالسعي إلى التقرّب من إيران التي تتهمها هذه الدول بالتدخل في شؤون عدد من الدول العربية.

وطرحت الدول الأربع في حزيران/يونيو 2017 لائحة من 13 مطلباً كشرط لإعادة علاقاتها مع الدوحة، تضمّنت إغلاق القاعدة العسكرية التركية الموجودة على الأراضي القطرية وخفض العلاقات مع إيران وإغلاق قناة "الجزيرة".

ورفضت قطر الاتهام، كما أكّدت أنها لن تنصاع لشروط الدول الأربع.

الأخبار المضلّلة في صلب النزاع

وتعرضت جميع أطراف الخلاف تقريباً منذ العام 2017 لشكل من أشكال حملات التضليل الإعلامي المنسّقة على الإنترنت.

وقال جونز الذي يعمل في جامعة حمد بن خليفة في قطر "شهدنا خلال السنوات الثلاث الماضية تعاقب فترات انتشار وانحسار في النشاط على مواقع التواصل الاجتماعي".

ووضع الباحث بيانات تحليليّة ثلاثيّة الأبعاد للمنشورات المشبوهة والحسابات التي يشتبه بأنها آلية، تظهر مدى الحملة الأخيرة ضد قطر على تويتر.

ووصفها خلال مقابلة أجرتها معه وكالة فرانس برس بأنها "من أولى الأزمات في التاريخ التي أٌطلقت شرارتها من خلال وسائل الإعلام الرقمي الجديدة".

ويرى جونز بهذا الصدد أن نشر التصريحات المنسوبة إلى أمير قطر أعطى "ذريعة قابلة للتصديق لأزمة".

 وأوضح أن التضليل الإعلامي يقع في صلب الخلاف الحالي في الخليج، معتبرا أن سيل الأنباء الكاذبة الموجهة إنما هو مؤشر إلى المشكلات الأوسع التي تعاني منها بيئة وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي.

وقال "إذا نظرنا إلى أوساط التواصل الاجتماعي العربية، نرى أنها مسمومة إلى حدّ بعيد ويهيمن عليها التضليل الإعلامي بشكل طاغ".

 أخبار مضلّلة في الاتجاه الآخر أيضاً

في المقابل، شهدت مواقع التواصل في السنوات الماضية أيضا شائعات استهدفت السعودية والإمارات، منها شائعة انتشرت في الآونة الأخيرة عن محاولة اغتيال وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد.

واتهمت الإمارات قطر بالوقوف وراء هذه الشائعة.

كما انتشر في الآونة الأخيرة على تويتر مقطع مصوّر يدّعي إظهار إطلاق نار في دولة الإمارات، وأرفق المقطع الذي لم يتسنّ التثّبت من مكان تصويره، بوسم #ماذا_يجري_في_أبو_ظبي". لكن مراسلي وكالة فرانس برس في دولة الإمارات لم يسجّلوا وقوع أي شيء من هذا النوع.

وتناول فريق تقصّي صحّة الأخبار في فرانس برس شائعة عن سقوط مناطق سعودية بأيدي الحوثيين تبين أنها خاطئة، وأخباراً مضللة غيرها تداولتها حسابات يعبّر بعض ناشريها على صفحاتهم عن تأييدهم لتركيا أو قطر أو إيران.

ومن حملات الأنباء الكاذبة التي انتشرت في الخليج ادّعاءات بـفتح جامعة إسرائيلية فرعا لها في السعودية، وأنباء كاذبة بأن الرئيس التونسي قيس سعيّد طلب من العاهل السعودي عزل ابنه ولي العهد محمد بن سلمان، وغيرها من الشائعات التي تناول عدداً منها فريق تقصّي صحّة الأخبار في وكالة فرانس برس في تقاريره.

وقد وصل الأمر ببعض الصفحات والحسابات على موقع فيسبوك إلى حدّ اختلاق أخبار عن تغيير دولة الإمارات اسم سورة في القرآن "إرضاءً لإسرائيل".

وقال جونز "بعد سنتين أو ثلاث سنوات، بحسب تطور التكنولوجيا، سنشهد حملات تضليل إعلامي يصعب كشفها".

وسُلّط الضوء في السنوات الأخيرة على قضية الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة التي باتت تستخدم بشكل واسع في السياسة وغير السياسة على السواء، من بريكست الى التدخّل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة.

واحتدم النقاش حول مسؤولية شركات مواقع التواصل عن محتوى منشوراتها مع التضليل الإعلامي الذي رافق تفشي فيروس كورونا المستجدّ، وفي الآونة الأخيرة مع وضع "تويتر" إشارة تحذير على تغريدة لترامب لاعتبارها تنطوي على "تمجيد للعنف".

وقال جونز إن مواقع التواصل الاجتماعي طورت "نظاماً غير رسمي ضبابياً للغاية" للدول التي تواجه حملات.

ولزمت السلطات القطرية الحذر حتى الآن في ردّها على الأخبار الكاذبة، متفادية توجيه أي دعوة علنيّة لعمالقة التواصل الاجتماعي لمطالبتها باتخاذ تدابير ضد المنشورات المضلّلة التي تستهدفها.

وأكد مكتب الاتصال الحكومي القطري لوكالة فرانس برس أن "أول حملة معلومات مضللة في 2017 كانت غير مسبوقة، لم يكن أحد يتوقع حملة معلومات مضللة منسقة بهذه الطريقة من قبل".

وأضاف "الآن في قطر والعالم، اعتاد الناس على هذا النوع من الحملات، ولا يقومون بأخذها على محمل الجد".

ويشير المكتب إلى أن هذه الحملات "تضرّ بسمعة الحكومات" التي تقف وراءها، بدون أن يذكر أي دولة بالاسم.