مئذنة مسجد الفنار في الدوحة في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2022 ( AFP / MIGUEL MEDINA)

سيل من المنشورات المضلّلة يُحوّل مونديال قطر إلى موسم "إنجازات" دينيّة وقوميّة وهميّة على مواقع التواصل العربيّة

جميع حقوق النشر محفوظة. وكالة فرانس برس 2017-2023

بالتزامن مع انطلاق نهائيّات كأس العالم لكرة القدم في قطر الأحد، اكتظّت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربية بعشرات آلاف المنشورات التي تحمل اسم "قطر" حقّقت عشرات ملايين التفاعلات. لكن كثيراً من هذه المنشورات نأى عن الجانب الكرويّ لهذا الحدث الرياضيّ الأهمّ في العالم، لمصلحة "إنجازات" دينيّة وقوميّة لا أصل لها سوى في خيال مروّجيها.

ففي الأيام الثلاثة الأولى من المونديال، الذي يُقام لأوّل مرّة في دولة عربيّة، جذبت المنشورات التي تحمل اسم "قطر" على موقع فيسبوك باللغة العربيّة أكثر من 37 مليون تفاعل. لكن الملايين من هذه التفاعلات كانت على منشورات غير صحيحة ذات طابع ديني إسلاميّ، أو ذات صلة بالصراع العربي الإسرائيلي، في ما يراه الأستاذ الجامعي التونسيّ المتخصّص في علم الاجتماع محمد الجويلي تعبيراً عن "تمنّيات وطموحات، وأيضاً عن إحباطات سياسيّة واجتماعيّة".

"فتحٌ عربيّ إسلاميّ"

على مواقع فيسبوك وتويتر وإنستغرام، وكذلك على تطبيق واتساب، انتشر في الأيام الماضية منشور يتحدّث عن "فتح عربيّ إسلاميّ" حقّقته قطر باستضافتها كأس العالم. ويُصوّر المنشور، الذي حصد عشرات آلاف المشاركات، الأجواء في قطر حالياً على أنّها موسم للتعريف بالإسلام والتصدّي للغرب ثقافياً وفكرياً وسياسياً.

منشور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربيّة وعلى تطبيق واتساب على نطاق واسع

"المئات يعتنقون الإسلام"

في ظلّ هذا المناخ السائد في بعض الأوساط العربيّة، وبالتزامن مع وجود أنشطة فعليّة حالياً للتعريف بالإسلام في قطر، حقّق فيديو يُظهر شابة تنطق بالشهادتين عشرات آلاف المشاهدات، وقيل إنه يصوّر اعتناق مشجّعة غربيّة الإسلام في قطر، على هامش المونديال. صحيح أن الفتاة الظاهرة في الفيديو أعلنت اعتناقها الإسلام، ولكن في ولاية تكساس الأميركية قبل أسابيع، وليس في قطر في الأيام الماضية.

@ayonc3 Welcome to Islam @evelynrayblog ❤️❤️❤️❤️ #Shahada#Muslim#WelcometoIslam#girlwegoingtoislam♬ original sound - ayah

وحصد فيديو لأربعة شبان ينطقون بالشهادتين عشرات آلاف المشاهدات، وزعم ناشروه أنه مصوّر أيضاً في قطر في الأيام الماضية. لكنّ الفيديو مصوّر في العام 2016، ولا شأن له بكأس العالم في قطر. أما الفيديو الذي قيل إنّه يُظهر إسلام أكثر من 500 شخص، "في أولى ثمرات كأس العالم"، فقد سبق أن نشرته وسائل إعلام عربيّة قبل سنوات.

وبحسب محمد الجويلي، الذي سبق أن تولّى إدارة المرصد الوطني للشباب في تونس، فإن تصديق هذه المنشورات وتداولها، وغيرها من المنشورات التي تتحدّث عن اعتناق مشاهير أو مواطنين غربيّين للإسلام يشير إلى "رغبة في إثبات الحضور في المشهد العالميّ والقدرة على التأثير، ومقارعة الحضارة الغربيّة".

ويقول لوكالة فرانس برس "من يخلتقون هذه الأخبار يعرفون غالباً أنها غير صحيحة، لكنهم يعرفون أيضاً أن هناك الكثيرين ممن يرغبون في تصديقها ولا سيما ممن لم يتحصّلوا على ثقافة إعلامية".

افتتاح المونديال بتلاوة من القرآن؟

ومن المنشورات التي حقّقت تفاعلاً كبيراً على صفحات مواقع التواصل العربيّة، فيديو قيل إنه يُظهر افتتاح المونديال بتلاوة من القرآن. لكن في الحقيقة لا يمكن الحديث عن "تلاوة قرآنيّة" في حفل الافتتاح بقدر ما هو اقتباس للآية الثالثة عشرة من سورة الحُجُرات "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، في سياق الحديث عن الأخوّة الإنسانية في عرض خطابيّ جمع الممثّل الأميركي مورغان فريمان والقطري غانم المفتاح المؤثّر على مواقع التواصل وسفير كأس العالم.

أما الفيديو المتداول الذي قيل إنّه يوثّق تلاوة القرآن في افتتاح المونديال، فهو في الحقيقة منشور العام الماضي في حفل تدشين استاد الثمامة في الدوحة.

وفي السياق نفسه، انتشر بلغات عدّة حول العالم فيديو قيل إنه يُظهر صلاة جماعة في ملعب في قطر أثناء المونديال، لكن هذا الادّعاء غير صحيح، والفيديو يُظهر صلاة جماعة في ملعب في جمهورية تتارستان الروسيّة في شهر رمضان من العام 2019.

ذاكر نايك في قطر

مع الإعلان عن وصول الداعية الهنديّ المثير للجدل ذاكر نايك إلى الدوحة، حصدت المنشورات التي حملت اسمه على موقعي فيسبوك وإنستغرام باللغة العربية ما يقارب الثلاثة ملايين تفاعل في يوم واحد، بحسب ما أظهرت بيانات موقع كراود تانغل المتخصّص في مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، في مؤشّر على الجدل الذي أحدثه قدومه إلى قطر في موسم يضمّ في الوقت نفسه استعراضات غنائيّة وراقصة في منطقة المشّجعين حيثُ يُسمح بشرب الكحول.

في هذا السياق، ظهرت منشورات مرفقة بفيديو تتحدّث عن اجتماع لذاكر نايك مع دعاة ذائعي الصيت على مستوى العالم العربي في قطر لإطلاق أنشطة للدعوة للإسلام، لكن هذا الفيديو في الحقيقة مؤلّف من ثلاثة مقاطع مصوّرة في سنوات ماضية، ولا شأن لها بمونديال قطر.

وإزاء الانتشار الواسع لهذه الأخبار المضلّلة، حذّر رجل الدين اللبناني طارق الصافتلي على صفحته على فيسبوك من تداولها قائلاً "أتفهّم حماسة البعض وأتفهّم غيرة آخرين، وأتفهّم الحاجة بأننا متعطّشون لانتصار في مضمار معيّن، لكن ديننا دين العقل والدقّة".

أعلام فلسطين واشتباك مع إسرائيليين

فيما كان بعض المستخدمين، المعارضين للسياسة القطريّة في المنطقة، ينتقدون الدوحة على تسييرها - عن طريق شركة قبرصيّة - خط رحلات جويّة مباشراً مع تل أبيب لنقل المشّجعين الإسرائيليين، ظهرت على صفحات وحسابات مؤيّدة للدوحة على موقع فيسبوك صورة قيل إنها تُظهر إضاءة برج الجابر في الدوحة بعلم فلسطين أثناء إقامة المونديال، في ما وُصف بأنه تحدّ قطريّ للدول الغربية الداعمة لإسرائيل في هذا الموسم العالميّ. لكن الادّعاء غير صحيح، إذ تبيّن أن الصورة تعود إلى شهر آب/أغسطس الماضي، حين أًضيء البرج فعلاً بالعلم الفلسطيني إثر هجوم دام شنّته إسرائيل على القطاع المُحاصر.

وفي السياق نفسه، تداولت صفحات وحسابات فيديو قيل إنه يصوّر مشجّعين يهتفون باسم فلسطين في وجه مشجّع يحمل العلم الإسرائيلي مع الادّعاء بأنّه ملتقط حديثاً في قطر. صحيح أن وسائل إعلام نقلت أخباراً ومشاهد عن مقاطعة مشجعين عرب لإسرائيليين أو مراسلي وسائل إعلام إسرائيليّة أثناء المونديال، إلا أن هذا الفيديو تحديداً الذي يُظهر مشجعين يهتفون باسم فلسطين قديم ومصوّر خلال كأس العالم 2018 في روسيا، وقد نشرته وسائل إعلام عربيّة آنذاك.

ويقول عالم الاجتماع التونسيّ "قد يشكّل أي حدث ذي اهتمام عالميّ فرصة مناسبة لإطلاق أخبار موازية" كما هو الحال مع مونديال قطر.

ويخلص للقول "هذه الأحداث العالميّة يمكن أن تشكّل مناسبة لإثراء فكرة التنوّع، وتعرّف الشعوب على بعضها البعض وعلى عاداتها وملامحها"، مثلما يمكن أن تشكّل فرصة لمحاولة "الاحتواء أو جعل الناس كلّهم متشابهين على ثقافة واحدة، وهذا شيء غير ممكن".

كأس العالم 2022