فرنسا بحاضرها وماضيها تحت نيران الأخبار الكاذبة على مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربية

جميع حقوق النشر محفوظة. وكالة فرانس برس 2017-2022

"فرنسا أعلنت أن منفّذ هجوم نيس ليس مسلماً"، و"قاتل المدرّس الفرنسي لاقى تشييع الأبطال قبل دفنه"، أما الرئيس الفرنسي فما زال يعاني من "تظاهرات تحت بيته" ويتلقّى "توبيخ الأطفال له في المدارس على مواقفه الأخيرة من رسوم الكاريكاتور"، في الوقت الذي "تتعرّض فيه المحجبات الفرنسيات لعنف الشرطة و إكراههنّ على خلع الحجاب"، و"يقتحم الأمن الفرنسي المساجد مروّعاً من فيها"...

هكذا تبدو صورة ما يجري في فرنسا، بحسب الأخبار والصور والمقاطع الكاذبة التي أغرقت مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربية في الأسابيع الماضية، على إثر الجرائم التي نفّذها إسلاميون متشددون في باريس ونيس، ومواقف الرئيس إيمانويل ماكرون المدافعة عن  حرية نشر رسوم كاريكاتوريّة تتناول النبيّ محمد.

وقد أصدرت خدمة تقصّي صحّة الأخبار في وكالة فرانس برس تقارير لتبيين خطأ 25 من هذه الأخبار والصور والفيديوهات كانت من الأكثر انتشاراً بين المستخدمين العرب.

 أخبار مضلّلة عن منفذي الهجمات

في التاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أقدم شاب على اقتحام كنيسة في مدينة نيس الفرنسية وقتل ثلاثة أشخاص كانوا فيها، وذلك بعد نحو أسبوعين من إقدام لاجئ شيشانيّ متطرّف على قطع رأس المدرّس سامويل باتي بسبب عرضه رسوماً كاريكاتورية تتناول النبيّ في سياق درس عن حريّة التعبير.

وبعد وقت قصير على جريمة نيس، ظهر على مواقع التواصل باللغة العربية مقطع مصوّر قيل إنه يُظهر مسؤولاً قضائياً فرنسياً يؤكّد أن لا علاقة لمنفّذ الهجوم بالإسلام، لكن هذا المسؤول لم يكن يتحدّث عن منفذ هجوم نيس إبراهيم عويساوي، بل كان في الحقيقة يروي وقائع حادثة أخرى سُجّلت في مدينة أفينيون، حيث أقدم رجل مضطرب على إشهار مسدّس وتهديد المارّة قبل أن تقتله الشرطة.

أما جريمة قطع رأس المدرّس سامويل باتي في باريس، فقد أثارت عدداً كبيراً من الأخبار المضلّلة، منها فيديو قيل إنه يُظهر لحظة قتل منفّذها، اللاجىء الشيشاني، برصاص الشرطة الفرنسية.

لكن هذا المقطع يُظهر في الحقيقة حادثة وقعت قبل عام ولا علاقة لها بالأحداث الأخيرة.

وتداول مستخدمون مقطعاً مصوّراً قيل إنه يُظهر جنازة الشاب الشيشاني منفّذ جريمة قتل المدرّس الفرنسي، لكن المقطع يصوّر في الحقيقة جنازة شاب شيشاني توفي عام 2018 في سجن روسي في سيبيريا حيث كان يمضي عقوبة السجن 15 عاماً لإدانته بقتل ضابط.

طفلة توبّخ ماكرون في مدرسة؟

أكثر من مليون و400 ألف مشاهدة حققها مقطع مصوّر قيل إنه يُظهر فتاة فرنسية مسلمة من أصل إفريقي وهي توبّخ ماكرون وتحرجه على خلفية مواقفه الأخيرة.

لكن هذا المقطع مركّب في الحقيقة من مشاهد عدّة، منها فيديو لزيارة إلى مكتبة حيث رحّبت به الفتاة الظاهرة في الفيديو ورقصت معه، ولم توبّخه كما ادّعى صاحب التعليق الصوتي المضلّل.

وقد تنبّه معظم المعلّقين على هذا الفيديو إلى أنه غير صحيح، واتّهموا القيّمين على القناة باستغلال المشاعر الدينيّة بأخبار غير صحيحة لجني المال عبر الإنترنت.

ووجد الجدال المذهبي المتوتّر الذي تنضح به بعض صفحات مواقع التواصل مكانه على خطّ انتشار الأخبار غير الصحيحة المتعلّقة بفرنسا. فقد ظهر فيديو قيل إنه يصوّر ماكرون وهو ينسبُ للخليفة الثاني عمر بن الخطاب وزوجة النبي عائشة أقوالاً أو أفعالاً قائلاً إن فيها إساءة إلى رسول الإسلام، لكن الترجمة المزعومة للمقطع مختلقة ولا تمتّ بصلة إلى خطاب ماكرون الذي تحدّث فيه في الحقيقة عن قيم الجمهورية الفرنسيّة والعلمانية وحريّة التعبير.

مآثر منسوبة لقادة أوروبيين آخرين

وفي سياق الانتقادات الكبيرة التي طالت الرئيس الفرنسي على مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربية، ظهرت أخبار عن مآثر منسوبة لحكّام أوروبيين آخرين، في معرض تفضيل "حكمتهم" على مواقف ماكرون الأخيرة المعتبرة لدى كثير من مستخدمي مواقع التواصل باللغة العربية أنها مواقف ضدّ الإسلام نفسه.

فقد ظهرت على موقعي فيسبوك وتويتر صورة قيل إنها تُظهر مقولة للملكة إليزابيث تمدح فيها الإسلام رُفعت في شوارع بريطانيا.

 

 لكن هذه الصورة مركّبة، واللافتة الأصلية فيها عبارة للملكة عن التباعد الاجتماعي في ظلّ انتشار فيروس كورونا المستجدّ.

 

وكذلك تناقل مستخدمون على فيسبوك وتويتر وإنستغرام صورة قيل إنها تُظهر المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مع نساء ألمانيات مسلمات محجّبات، للدلالة على أنها أكثر احتراماً للإسلام في بلدها مما يفعل نظيرها الفرنسي في بلده.

لكن الادعاء خطأ، فهذه الصورة تُظهر ميركل في السعودية بين عدد من سيّدات الأعمال السعوديات. 

أخبار عن ردود فعل على فرنسا في العالم

لا شكّ أن تصريحات الرئيس الفرنسي أثارت جدلأً واسعاً في العالم الإسلامي وانتقادات حادّة لماكرون.

لكن عدداً من ردود الفعل التي تحدّثت عنها صفحات مواقع التواصل كانت غير صحيحة.

فقد تداول مستخدمون، ولا سيّما في مصر، فيديو قالوا إنه يُظهر الرئيس عبد الفتاح السيسي وهو يردّ بشكل عنيف على ماكرون.

وصحيح أن السيسي أعرب أواخر الشهر الماضي عن رفضه الإساءة للقيم الدينية، لكن الفيديو المتداول على مواقع التواصل لا علاقة له بذلك، بل هو يعود لكلمة من العام 2019 كان يردّ فيها على سؤال صحافي حول حقوق الإنسان في مصر.

وفي تونس، ظهر على مواقع التواصل خبر عن أن الرئيس قيس سعيّد زار مدينة نيس الفرنسية بشكل مفاجئ للإعراب عن التضامن مع الشعب الفرنسي بعد الهجوم على الكنيسة في المدينة، لكن مصادر في الرئاسة التونسيّة نفت لوكالة فرانس برس صحّة هذا الخبر.

أما على صعيد ردود الأفعال الشعبية، فقد خرجت بالفعل تظاهرات في عدد من دول العالم الإسلامي ندّدت بحديث الرئيس الفرنسي عن التطرّف الإسلامي وبموقفه من الرسوم الكاريكاتورية.

لكن كثيراً مما ضجّت به مواقع التواصل غير صحيح، مثل هذا الفيديو الذي قيل إنه يصوّر مسلمين "يثورون" على ماكرون في فرنسا، إذ تبيّن لخدمة تقصّي صحّة الأخبار أنه مصوّر في آب/أغسطس الماضي، وهو يُظهر أعمال تخريب قام بها مشجّعو فريق باريس سان جرمان بعد فوزه في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا.

وفي هذا السياق أيضاً، نُشر فيديو قيل إنه يُظهر تظاهرات تحت بيت ماكرون، لكنه في الحقيقة مصوّر قبل عشرة أشهر في ألمانيا، أثناء تظاهرة احتجاجاً على القمع الذي يعاني منه المسلمون الأويغور في الصين.

وظهر فيديو يظهر فيه حشد ضخم يقدّر بمئات الآلاف أو الملايين، قيل إنه لتظاهرة ضدّ فرنسا في إندونيسيا أو في نيجيريا.

 لكن تبيّن أن الفيديو يصوّر في الحقيقة احتفالاً قبل سنوات بمولد شيخ سنغالي متصوّف يحظى باحترام كبير في بلده والجوار.

وانتشرت مقاطع كثيرة على هذا النحو، منها مقطع قيل إنه لتظاهرات حديثة في القدس، لكن تبيّن أنه مصوّر عام 2017، ومقطع قيل إنه لتظاهرة في تركيا أو باكستان، لكن تبيّن أنه مصوّر في اليمن العام الماضي، ومقطع آخر قيل إنه يصوّر احتجاجات في الصومال، تبيّن أنه يظهر حرق السفارة الألمانية في السودان عام 2012.

وفي سياق الحديث عن ردّات الفعل، تناقل مستخدمون لمواقع التواصل باللغات العربية والإنكليزية والهاوسيّة خبراً عن ترك لاعب كرة القدم الفرنسي بول بوغبا المنتخب الفرنسي احتجاجاً على مواقف ماكرون، لكن اللاعب نفسه وصف هذا الخبر بأنه كاذب.

انتهاكات بحق المسلمين في فرنسا؟

وفي هذه الأجواء المشحونة، ظهر على مواقع التواصل فيديو قيل إنه يصوّر اعتداءات على نساء محجبات في فرنسا، وأرفق الفيديو بعبارة "لعنة الله عليك يا ماكرون"، لكن الفيديو مؤلّف في الحقيقة من مجموعة مقاطع لا علاقة بها بفرنسا، والعنف الذي فيها لا يستهدف النساء بشكل خاص، بحسب ما بيّنت خدمة تقصّي صحّة الأخبار في وكالة فرانس في هذا التقرير المفصّل.

وفي السياق نفسه، ظهر فيديو قيل إنه يُظهر شرطياً فرنسياً ينزع حجاب امرأة مسلمة بالقوّة، لكن الفيديو في الحقيقة يصوّر شرطياً كندياً استخدم القوة المفرطة مع امرأة موقوفة وهي غير محجّبة أصلاً، ثم أحيل إلى القضاء في كندا، ولا علاقة لفرنسا بالأمر.

وانتشر فيديو قيل إنه يصوّر الشرطة الفرنسية وهي تعتدي على رجل مسلم، لكن الفيديو مصوّر في الحقيقة في بريطانيا عام 2019 ولا يمتّ بصلة إلى فرنسا.

وظهر فيديو قال ناشروه إنه يصوّر اقتحام الشرطة الفرنسيّة مسجداً في باريس بعد حديث ماكرون عن التطرّف الإسلامي، لكن الفيديو في الحقيقة مصوّر قبل ثلاث سنوات، وهو يُظهر إخلاء الشرطة الفرنسية مسجداً مقاماً في عقار تابع للبلدية، بعد انتهاء عقد الإيجار، ولا علاقة له بما جرى في الآونة الأخيرة في فرنسا.

نبش غير دقيق للماضي الاستعماري الفرنسي

وفي إطار الهجوم على فرنسا، ظهرت على مواقع التواصل أخبار أرادت نبش الماضي الاستعماري الفرنسي، لكنها أخطأت في اختيار الصور والمواضيع.

فهذه الصورة التي قيل إنها تُظهر تجاوزات عنصريّة للاستعمار الفرنسي في الكونغو مصوّرة في الحقيقة في ظلّ الاستعمار البلجيكي لذاك البلد الإفريقي ولا علاقة لها بالتاريخ الاستعماري الفرنسي.

وفي السياق نفسه، نُشرت هذه الصورة التي قيل إنها تُظهر جنوداً مسلمين استقدمتهم فرنسا كدروع بشريّة من مستعمراتها إبان الحرب العالمية الثانية.

 لكن الصورة في الحقيقة تصوّر جنوداً مسلمين في الجيش البريطاني، لا الفرنسي، وأثناء الحرب العالمية الأولى، لا الثانية.

وظهرت أيضاً أخبار متفرقة ذات صلة، منها أن هذه الصورة هي لشابين فرنسيين اعتنقا الإسلام بعد الأحداث الأخيرة في فرنسا، لكنها في الحقيقة تصوّر شابين ألمانيين مسلمين عام 2014. أما هذه الصورة فقد انتشرت على أنها لشاب يوزّع مصاحف في فرنسا للتعريف بالإسلام، وهي في الحقيقة تُظهر شاباً يوزّع مصاحف في ألمانيا قبل ست سنوات، ولا علاقة لفرنسا بالأمر.