(Anadolu Agency via AFP / Hussam Chbaro)

هل ينتقل فيروس كورونا المستجدّ في مياه البحر الملوثة ورذاذها؟

جميع حقوق النشر محفوظة. وكالة فرانس برس 2017-2021

أثار تصريح لوزير الداخلية اللبنانيّ محمّد فهمي حول وجود فيروس كورونا المستجدّ في مياه البحر الملوثة ورذاذها جدلاً واسعاً على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي في هذا البلد، بين المدافعين عن تصريحه على أنه يهدف إلى رفع مستوى الحذر، وبين من اعتبره مخالفاً للحقائق العلمية. لكن لا أدلّة علمية قاطعة على أن فيروس كورونا المستجدّ يبقى حيًا في مياه البحر، ملوثة كانت أو لم تكن.

ماذا جاء على لسان الوزير؟

مساء الأحد 17 أيار/مايو 2020، وفيما كانت أنظار اللبنانيين تتّجه إلى مقرّرات الحكومة حول إجراءات الإقفال، في بلد يعيش بين قلق الأزمة الاقتصادية الحادّة من جهة وقلق انتشار الوباء من جهة أخرى، قرّرت السلطات إعادة فتح قطاعات البلد تدريجاً اعتبارًا من 18 أيار/مايو. 

وشمل ذلك إعادة فتح المسابح على أن تكون أحواضها مجهّزة بمادة الكلور. 

في المقابل، حظرت الحكومة ارتياد الشواطئ والسباحة في مياه البحر. 

وقال وزير الداخلية والبلديات محمد فهمي مستندًا - على حدّ  تعبيره - إلى توصيات الأطباء ووزارة الصحة إن "الشاطئ اللبناني ملوّث لأسباب عدة ومنذ زمن بعيد، وكوفيد-19  يعيش في هذا التلوث". 

وبناء على ذلك، أعلن الوزير منع الاستلقاء تحت أشعة الشمس على الشواطئ لأن "رذاذ المياه سيصل إلى الشاطئ وجسم الإنسان"، بحسب ما جاء في تصريح له لوسائل إعلام محليّة.

وأثار هذا القرار وتصريحات الوزير جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان.

وانقسمت التعليقات بين من رأوا أن القرار يرمي إلى رفع الحذر بين المواطنين والتشدّد في الإجراءات لمنع الاكتظاظ وانتشار الوباء، وبين من اعتبروا أن القرار لا يستند إلى أي أصول علميّة، ومنهم من ذهب إلى اعتبار أن السلطات اللبنانية تراعي مصالح أصحاب المسابح على حساب المعايير العلميّة.

كيف ينتقل فيروس كورونا المستجدّ؟

تُواصل منظمة الصحة العالمية تقييم البحوث الجارية حول طرق انتشار كوفيد-19. لكن المعروف حتى الساعة بحسب المنظمة الأممية أنّ هذا المرض ينتشر "بشكل أساسي" بين البشر عن طريق "القُطيرات الصغيرة التي يفرزها الشخص المصاب بالمرض من أنفه أو فمه عندما يسعل أو يعطس أو يتكلّم. ويمكن أن يصاب الشخص بالعدوى إذا تنفس هذه القُطيرات من شخص مصاب بعدوى الفيروس". 

وقد يصاب الأشخاص بالفيروس إن لمسوا الأسطح الملوثة برذاذ أنف أو فم شخص مصاب ووضعوا أيديهم بعد ذلك على العين أو الأنف أو الفم. وتوصي المنظمة بالمواظبة على غسل اليدين بالماء والصابون أو تنظيفهما بمطهر كحولي.

هل يشكّل تلوّث البحر بمياه الصرف بيئة حاضنة لكوفيد 19؟

مما لا شك فيه أن أنظمة الصرف الصحي هي أحد أسباب تلوّث البحر في لبنان.

يمكن للفيروس المسبب لكوفيد-19 أن يخرج في براز المصابين به بحسب هذا التوجيه الذي أعدته منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف). ورُصد فيروس كورونا المستجد في مياه الصرف الصحي غير المعالجة بحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة. 

ولا يعرف الباحثون حتى الساعة إن كان الفيروس الموجود في هذه المياه ينقل العدوى للأشخاص الذين يحتكون به، فلا يوجد أية حالة إصابة تؤكد ذلك. ولكن أغلب الظن أن الخطر متدنٍ، استناداً إلى البيانات المجمّعة من تفشي الأمراض السابقة التي سببتها فيروسات كورونا السابقة مثل سارس وميرس.

وتقول منظمة الصحة العالمية بأن خطر انتقال عدوى كوفيد-19 من براز شخص مصاب منخفض، و"لا يوجد دليل لغاية الساعة، أن كوفيد-19 انتقل إلى شخص ما عبر أنظمة الصرف الصحي إن خضعت للمعالجة أو لم تخضع".


"احتمال ضئيل"

يشير الاختصاصي والباحث في الأمراض الفيروسية في الجامعة الأميركية في بيروت حسن زراقط إلى أن "لا دليل مؤكداً على انتقال الفيروس المستجدّ عبر براز المصابين ومياه الصرف الصحي التي تلوث مياه البحار في لبنان، إلا أن الاحتمال موجود ولو كان ضئيلاً".

وقال زراقط في حديث لوكالة فرانس برس "يعلم الجميع مدى تلوث شواطئنا بمياه الصرف الصحي التي يصبّ بعضها مباشرة في البحر، ما يشكّل بيئة مؤاتية تتركّز فيها بعض أنواع البكتيريا والفيروسات".

وأضاف "مياه البحر في لبنان غير آمنة أصلاً وتحتوي على أنواع جرثومية كـ +المكورة العقدية + التي تتسبب بالتهابات حادة. وبعض هذه الأنواع الجرثومية الموجودة مقاومة للمضادات الحيوية بحسب دراسة أعدتها الجامعة الأميركية في بيروت سابقًا".

وردًّا على سؤال حول الشبه بين كورونا المستجدّ والأنواع الفيروسية التي تلائمها مياه البحر الملوثة بالصرف الصحّي قال زراقط "الدراسات غير كافية. الاحتمال ضئيل ولكن لا يمكننا استبعاد ذلك بمجرّد غياب الأدلة العلميّة".

"فرص انتقال شبه معدومة"

وبحسب البروفيسور في علوم الكيمياء في الجامعة الأميركية في بيروت بيار كرم، فإن مياه البحر المالحة تشكّل على الأرجح بيئة  قاسية قد يعجز الفيروس المسبب لكوفيد-19 عن مقاومتها.

ويعمل كرم المتخصّص في تطوير أدوات تشخيص الأمراض على مشروع تطوير أداة قليلة التكلفة لتشخيص كورونا المستجدّ.

وقال كرم لوكالة فرانس برس "لا نعلم على وجه اليقين ما إن كان الفيروس يعيش في المياه المالحة إلا أن احتمال بقائه على قيد الحياة فيها ضئيل جدًا ولا أدلة علمية قاطعة على ذلك".

وشدّد على أن "نسبة تركّز الفيروس، لو عاش في هذه المياه ستكون ضئيلة جدًّا"، ضارباً مثلاً لتقريب الفكرة "كحبّة سكّر صغيرة مذابة في ليتر من الماء".

وأضاف "تركّز رذاذ عطسة شخص مصاب في هذه الكمية من مياه البحر سيكون خفيفاً جدًّا وانتقال العدوى إلى شخص آخر شبه معدومة".

هل المسابح آمنة؟

فيما قرّرت السلطات اللبنانية منع السباحة في البحر وارتياد الشواطئ العامة، أجازت ارتياد المسابح شرط أن تكون الأحواض مزوّدة بمادة الكلور.

لكن ما يقلق الخبراء فعلاً هو الاكتظاظ في المسابح وإمكان عدم احترام تدابير التباعد فيها.

وتساءل حسن زراقط ما إن كانت التدابير الصّحية ستطبق فعلاً على المسابح، وقال "هل ستوضع الكميّة المناسبة من الكلور فيها؟ وهل ستعقّم الأسطح بحذر؟ وهل ستعتمد المسافات الآمنة؟ وغيرها من الأمور…".

 وختم "لا نعرف ما مدى وعي الناس وما مدى التزام إدارات المسابح بهذه التدابير".

وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، سجل لبنان  931 إصابة بكورونا المستجدّ منذ 21 شباط/فبراير و26 حالة وفاة حتى تاريخ 18 أيار/مايو 2020.